كيفية الاستخارة ومطالعة كتاب التغيرات

مقدمة المترجم

(1)

كتاب التغيّرات( الإيجنغ)  ينسب إلى ممثلي الفلسفة الطاوية وحلقة كونفوشيوس الفلسفية في مرحلة متأخرة من حيث التعقيب عليه ووضع الحواشي له، لكنه يعود في بدايات تكوينه إلى حقب أبعد من حيث بذرته التكوينية الأولى، إذ يعزوه الكثير من المصادر الموثوقة والأدبيات إلى الشخصية الأسطورية فو هسي قرابة 3500 سنة ق.م، ويعزى جمعه إلى (وو وانغ) المتوفى في العام 1064 ق.م ، يعدّ هذا الكتاب واحدا من أقدم الكتب الصينية الذي نجا بأعجوبة من عدة محارق تعرضت لها المكتبة الصينية على مر الزمن على أيدي طغاة حكموا الصين وشعروا بخطورة هذا الكتاب من حيث قدرته على التنبؤ بما هو آت اعتمادا على معطيات الحاضر.
وكان أوضح العالم النفساني سي. جي. يونغ في مقدمته لهذا الكتاب بترجمة ويلهيلم الألمانية وظهرت أيضا في النسخة الانكليزية فيما بعد بترجمة كاري. إف. باينز، أهميته وواقعيته العملية وأوجد من أجل فهمه وفهم آليات عمله نظرية أطلق عليها (نظرية التزامن) التي بها وضع حدا للتشكيك به جراء الغموض الذي كان يكتنف مصداقيته في الخروج بقراءة منسجمة مع الموضوع الذي يعتمل داخل سائله أو مستخيره. بل إن يونغ وضع حدا لمعنى الصدفة التي يعدّها الفكر الغربي جزءا اعتباطيا في الزمن لا معنى له، في حين رأى يونغ على وفق الفكر الشرقي ومن خلال ممارسته استخارة الكتاب المذكور ودراسته له، أن الصدفة هي الجزء الأهم في الزمن من حيث أنها تمثل الجزء الطافح بالمعنى (الشخصي) مقارنة بتيار الزمن الحامل للمعنى العام الحيادي. ولعل أهم عبارتين في مقدمة يونغ تسترعيان الانتباه وتؤكدان جدية متضمناته الأدبية والتنبؤية هما العبارة الافتتاحية القائلة: (إن هذا الكتاب العظيم المتفرد ليس به حاجة إلى تقديم من مثلي)، والعبارة الثانية( إن هذا الكتاب هو صفعة الشرق على خد الغرب).
وثمة إشارة في إحدى مقدمات الكتاب بترجمة ويلهيلم مفادها أن رجال السياسة في اليابان الحديثة لا يستنكفون من استخارة هذا الكتاب قبل اتخاذهم قرارات مصيرية. كما يذكر الباحث الأردني محمد ملكاوي في صحيفة المحرر عند استخارته الكتاب قبل الحرب الأخيرة على العراق واحتلاله، أن العدو الصهيوني كان راجع هذا الكتاب واستقرأه قبل خوضه إحدى الحروب التي شنها ضد العرب. 

(2)

يتألف الكتاب من أربعة وستين شكلا سداسيا، ناشئة عن ثمانية أشكال ثلاثية ثابتة، تعد البنية الجوهرية للكتاب، من حيث أنها أشكال بصرية لظواهر كونية ثمانية فقط هي[السماء، الرعد، الماء، الجبل، الأرض، الريح، النار، البحيرة]، فكلّ ثلاثي بالنتيجة هو رمز لظاهرة كونية إيجابية وتكرار ثلاثيين في سداسي واحد يمثل حضور ظاهرة كونية إيجابية في مقابل أخرى سلبية. وعن استنفاد الاحتمالات الممكنة من خلال دمج كل ثلاثيين في سداسي واحد  [أي 8x8] ينتج أربعة وستون سداسيا، كل سداسي منها يتكوّن من ستة خطوط، يمثل الخطان السفليان فيه الأرض، والوسطيان الإنسان والعلويان السماء. ومن الناحية البنائية يقع الشكل السداسي في ثلاثيين، فالخطوط الثلاثة الأولى التي ترسم من أسفل إلى أعلى وتسمى الثلاثي الأسفل، تمثل الجانب الباطني للتغيّر، فيما تمثل الخطوط الثلاثة العليا التي تسمى الثلاثي الأعلى وترسم من أسفل إلى أعلى أيضا، الجانب الظاهري للتغيّر، من هنا يصبح الثلاثي الأسفل رمزا لما هو(شخصي) في التغيّر فيما يرمز الثلاثي الأعلى إلى الطبيعة المحيطة بـ(الشخصي) الخاص بالفرد، فالانسان بتفاعله مع الطبيعة سيولد الواقع – واقعه القابل للتغيير على وفق فهمه لأسرار الخارطة الكونية.

(3)

أما عن كيفية الاستخارة فإنها تتم من خلال إضمار السؤال المطلوب العثور على إجابة شافية عنه إضمارا باطنيا بعد مدة من الهدوء النفسي، تليها عملية إلقاء ثلاث قطع نقدية معدنية لست مرات، يدوّن بعد كل رمية العدد الناتج عن احتمالات أربعة هي [6، 7، 8، 9] ويصار إلى رسم رمزه البصري من أسفل إلى أعلى بحيث يكون رمز الرمية الأولى في أسفل السداسي يليه رمز الرمية الثانية فوقه وصولا إلى رمز الرمية الأخيرة الذي يعتلي قمة السداسي الناتج. ويكون للعددين [ 7] و[ 9] رمز خط موصول، هكذا (ـــــــــ)، وللعددين [6] و[8] رمز خط متقطع، هكذا (ـ)، ويعطى للنقشة(الصورة) في القطعة المعدنية العدد (3) وللكتابة (2)، فكل رمية ستقع والحالة هذه في احتمالات أربعة لا خامس لها، هي [ ثلاث نقشات = 3+3+3= 9 ورمزها خط موصول تتوسطه دائرة لتدلّ على أنه خط متغيّر، هكذا ــOــ، أو ثلاث كتابات = 2+2+2=6و رمزها خط متقطع تتوسطه علامة x  هكذا ـ  xـ لتدلّ أيضا على أنه خطّ متغيّر ، أو نقشتان وكتابة = 3+3+2= 8 ورمزها ـ ـ، أو كتابتان ونقشة = 2+2+3=7 ورمزها ــــــ وهذان الخطان ثابتان.
وكما مرّ بنا فإن كل خط مساو لـ[6] و[9] يعدّ متغيّرا وبالتالي يستلزم تعديلا إلى معكوسه، فالخط المتقطع ( ـ x ـ) يصبح موصولا( ـــ) والخط الموصول (ــOــ) يصبح متقطعا( ـ ـ)، ومن التعديلات الجارية على الخطوط المتغيّرة في السداسي الناتج(يمثل الحاضر) ينتج لنا سداسي آخر يمثل صورة المستقبل، ويجسد ثلاثيّه الأعلى ما هو قريب آيل للظهور، فيما يجسّد ثلاثيه الأسفل ما هو خفي وبعيد. على أن المستقبل زمن لا وجود له على وفق كتاب التغيّرات بالمعنى الذي نتداوله، فالصينيون نظروا إلى الزمن على أنه حاضر دائم التدفّق، وفي ضوء هذا المفهوم يكون في الإمكان التكهن بالمخفي من الحاضر (ما نسميه نحن مستقبلا) من خلال ما هو ظاهر منه، كما يصار إلى التكهّن بشكل وحجم أربعة أخماس الجبل الجليدي المغمورة في الماء استدلالا من خمسِهِ الظاهر فوق الماء، أو التكهّن بما سيكون عليه شكل شجرة تفاح وثمارها لحظة غرس بذرتها، استدلالا من صورة ظاهرة لها في الذاكرة الحاضرة وفي العالم الخارجي.

(4)

بقي أن نقول أن فكرة التغيّر التي يتبناها الكتاب الواضح من عنوانه (كتاب التغيّرات) ويجعلها محوره هي أن (التغيّر سرّ أبدية الوجود) وهذا ما يجعل القراءات التنبؤية حتى في أحلك الوضعيات التي تتصدى لها، تميل إلى الأمل والتفاؤل انطلاقا من محاكاة الظواهر الكونية والطبيعية، التي هي أبدا في حلقة من التغيّرات تحفظ لها ديمومتها وتبعدها عن الركود فالفساد فالتفسخ فالتلاشي. فالقمر مثلا يبدأ هلالا فتربيعات فبدرا فمحاقا فهلالا وهكذا، والشيء نفسه ينطبق على التردي الذي يصيب الإنسان في شؤون حياته إذ يبدأ هلالا ويشتد، ويشتد لكنه سرعان ما يصل ذروته في الاكتمال، ليبدأ بالتناقص التدريجي وصولا إلى محاقه ومن ثم إلى النقطة المغايرة(المعاكسة) أي النقيض، ونقيض التردي التحسن الذي هو أيضا لا يدوم، فالتردي والتحسن في تناوب، وهذا التناوب هو الذي يعطينا المعنى الحقيقي لأهمية الزمن، لأن العلاقة بين أي نقيضين على وفق الفكر الذي يتبنّاه كتاب التغيّرات، إنما هي علاقة بين الـ(ين)، [السالب، الأنثوي، القمري، الظلامي] والـ(يانغ)، [الموجب، الذكري، الشمسي، النوراني] اللذين لا يقصي أحدهما الآخر برغم التضاد الظاهري بينهما، بل هما على العكس يتكاملان تبادليا، فالليل ليس نقيضا حرفيا للنهار، طالما أنه يحتويه في ساعاته ثم ينسلّ منه ليقع في محتواه (محتوى النهار) في ساعاته، وهكذا دواليك، فلا ليل بلا نهار ولا نهار بلا ليل وكلاهما يمثل مضمون اليوم.

 

2 تعليقات

  1. السلام عليكم منذ فترة بعيدة وانا اسمع بهذا الكتاب وقرات اجزاء منه في جريدة الزمان وحاولت ان اعرف طريقة التنبؤ وعملية الاستخارة ففشلت في ذالك واليوم كذالك ارجو ان تطيلوا بالكم معي لانه امنيتي ان اعرف كنهه خصوصا عمليات الحساب هذه

    • جزاك الله خير هل بالامكان عرض بعض الامثلة ولكم الشكر الجزيل

اترك رد

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out / تغيير )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out / تغيير )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out / تغيير )

Connecting to %s

Follow

Get every new post delivered to your Inbox.